محمد جواد مغنية

37

في ظلال نهج البلاغة

أنتم والبلاد للخطر والهلاك . . . وهكذا فعل الرسول الأعظم ( ص ) من قبل : أرسل أول سرية مسلحة لاعتراض قوافل قريش بقيادة عبد اللَّه بن جحش الأسدي وكتب كتابا سلَّمه له ، وأمره أن لا يفتحه إلا بعد ليلتين من بداية انطلاقه للقيام بمهمته . . . ويدلنا هذا ان التكتم والتمويه في التخطيط والعمليات الحربية ليس من مبتكرات الغرب ، وان المسلمين هم السابقون الأولون إلى ذلك . ( ولا أطوي دونكم أمرا إلا في حكم ) على أحد الخصمين المترافعين لديّ . . . وأيضا يدل هذا على أن الاسلام سبق الشرائع الوضعية في حكمه بأن القاضي لا يجوز له أن يبدي رأيه في الدعوى التي ينظرها إلا بعد انتهاء المرافعة وعند إعلان الحكم ، وان للطرف الآخر أن يطعن في الحاكم وحكمه إذا كان قد أبدى رأيه من قبل ( ولا أؤخر لكم حقا ) ماديا كان كالراتب والعطاء ، أو أدبيا كالتقدير والرتبة ( ولا أقف دون مقطعه ) بل أبتّ به بلا تأخير ومماطلة ( وان تكونوا عندي في الحق سواء ) بلا تفاضل ومحاباة لقوي أو قريب . ( فإذا فعلت ذلك ) أي أديت لكل ذي حق حقه كاملا ومعجلا ( وجبت للَّه عليكم النعمة ) وأية نعمة أعظم من نعمة الحاكم العادل الذي يأمنه البريء ، ويخافه المجرم ، ويقوى به الضعيف المحق ، ويضعف القوي المبطل ( ولي عليكم الطاعة ) لأن طاعة الحاكم العادل هي طاعة للَّه ، لا لذات الحاكم وكرسي الحكم ( وان لا تنكصوا عن دعوة ) لأن دعوتي ، والحال هذه ، هي دعوة اللَّه والحق ( ولا تفرطوا في صلاح ) وهو الجهاد وصيانة الحدود من العدو . ( وان تخوضوا الغمرات إلى الحق ) وهو الدفاع عن البلاد ، والاستماتة في سبيلها . ( فإن أنتم لم تستقيموا إلخ ) . . . هذا تهديد ووعيد لمن يقصّر ويتهاون في الجهاد وواجبات الجندية ، وان الإمام يأخذه بأقسى العقوبات وأشدها ، لأنه يعرض الأرواح والأموال للخطر والهلاك ( خذوا هذا إلخ ) . . . وهو الحق والعدل من الإمام ، وأعطوه النصيحة والطاعة ، وبذلك تستقيم الأمور ، ويعيش الناس في هناء وأمان . وبعد ، فإن الإمام العادل هو الذي يقهر هواه ، ويحب الناس ، كل الناس ، ويخلص لهم ، ولا يرى لنفسه وذويه أي امتياز ، بل يقدرها بأضعف الضعفاء